قرأت اليوم عبارة لافتة، كأنها تضع يدها على جرح خفي في أعماق النفس: «في المكان الخطأ، حتى لو قدمت أفضل ما لديك، فلن يكون ذلك كافيًا. أما في المكان الصحيح، فمجرد وجودك سيكون موضع احتفاء».
وما أعمق هذا المعنى! فليس كل عجز عن بلوغ القبول دليلاً على نقص في الإنسان، ولا كل باب موصد شهادة على قلة شأنه. كم من قلب أخلص، وكم من نفس بذلت وسعها، ثم عادت من ميادين الحياة مثقلة بالسؤال: لِمَ لا يكفيني ما أقدّم؟ ولِمَ لا يُرى فيّ ما أراه في نفسي من خير؟
والحقيقة أن المرء قد يخطئ أحيانًا في موضع وقوفه، لا في حقيقة ما يحمل من قيمة. فقد يكون في بيئة لا تُحسن قراءة فضائله، ولا تعرف كيف تستقبل صدقه، فيظل يركض خلف اعتراف لا يأتي، ويستنزف من روحه ما كان جديرًا أن يُنفق في موضع ينمو فيه ويزدهر.
أما المكان الصحيح، فليس ذلك الذي يعفيك من الاجتهاد، ولا الذي يصفق لك في كل حين، ولكنه المكان الذي ترى فيه ثمرة سعيك، ويُسمع فيه صوتك، وتُحفظ فيه كرامتك. هناك لا تحتاج إلى أن تشرح نفسك كل يوم، ولا أن تخوض معركة مستمرة لإثبات أنك تستحق المحبة والاحترام.
وفي العلاقات الإنسانية، كما في بيئات العمل والصداقة، تظهر قيمة البيئة الصالحة. فالعلاقة الصحية لا تجعل الإنسان غريبًا عن نفسه، ولا تحوّل كل اختلاف إلى محاكمة، بل تمنحه من الأمان ما يعينه على أن يكون صادقًا، ومن المودة ما يخفف عنه ثقل الأيام.
وليس كل مكان يغادره المرء خسارة، ولا كل باب لم يُفتح في وجهه دليلًا على أنه لا يستحق الدخول. بعض الأبواب تُغلق لتعلّمنا أن الكرامة لا تُستجدى، وأن القلب الذي طال به الوقوف في موضع لا يُقدّر فيه، جدير بأن يبحث عن موضع يجد فيه السكينة والاحترام.
فلا تجعل من قسوة بيئة عابرة حكمًا على قيمتك، ولا من فتور بعض القلوب مرآة ترى فيها نفسك. أنت أكرم من أن تختصر حقيقتك في مقدار ما يمنحك الآخرون من تقدير. وقد يكون أجمل ما في الرحلة أن تصل يومًا إلى مكان لا تضطر فيه إلى أن تكون غير نفسك، حيث يكون حضورك مودة، وصدقك أمانًا، ووجودك موضع ترحيب.
اللهم ارزقنا أماكن تليق بقلوبنا، ورفقة تحفظ لنا كرامتنا، وبيئات تنمو فيها أرواحنا دون خوف، واجعل لنا من كل موضع لا يُقدّرنا فيه نصيبًا من الحكمة، ومن كل مكان صالح سكينةً وبركة.
✍🏻محمد آصف على
طالب في الجامعة الرحمانية، مونجير، بيهارطالب في الأزهر الشريف
