Nahda Network
إقرأ الآن

التفرق في السعي والعمل

إن المسألة اليوم ليست قلة الوسائل والرجال وغياب الموارد والفرص، بل المسألة الحقيقية هي مسألة استخدام الوسائل المتوفرة واستغلال الفرص المتاحة بطريق منسق موحد، بعيدًا عن التكرار والتعارض والتدمير

قد أصبح العمل الإسلامي اليوم شائعًا بنطاق واسع بشكل لافت، لا يقتصر على نفوس قليلة، ووسائل محدودة، بل اتسع المجال، وتيسرت رجال ووسائل جديدة متطورة، وفرص مواتية،وانتشرت مراكز دعوية ومؤسسات إسلامية،ومدارس وكليات وجامعات إسلامية، ولكن تسربت إلى العمل الدعوي والإسلامي عناصر لم تتشرب روح الإسلام، ولم تفهم حقيقته،ولم تتكيف بالجو الإسلامي، فتصدر منها أعمال ومواقف لا تتطابق مع السلوك الإسلامي، وتعاليم الإسلام وآدابه، وتشرح الدين حسب ذوقها وفكرها وهواها.
فإن المسألة اليوم ليست قلة الوسائل والرجال وغياب الموارد والفرص، بل المسألة الحقيقية هي مسألة استخدام الوسائل المتوفرة واستغلال الفرص المتاحة بطريق منسق موحد، بعيدًا عن التكرار والتعارض والتدمير، بحيث لا تضيع الطاقات والموارد والكوادر، ولا تذهب الجهود والأعمال سدى،فإن الجهود تحتشد في مكان بينما تفتقر إليها أماكن أخرى، وتتفرق بل تتعارض في بعض الأحيان، فتتكدس الجهود والأنشطة في مكان دون مكان، وتنفق الوسائل والموارد في منطقة دون منطقة وهي بأشد حاجة إليها، كما أن الجماعات والمؤسسات والجمعيات والمنظمات والمدارس والمراكز الإسلامية والدينية والدعوية تركز عنايتها على مكان واحد، وعمل واحد، حسب فكرتها الفئوية والحزبية، ولا تلتفت إلى الأمور التي تحتاج إلى العناية بها.
فالعمل الإسلامي اليوم يتطلب التناسب والتنظيم والوحدة والترتيب في العمل، ودراسة الواقع، وفهم الظروف والنفوس، وتوزيع الثروة والخبرة العملية وفق الحاجة،يقول الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في مقال له :
” إن العمل الإسلامي اليوم يحتاج إلى دراسة للواقع والظروف التي يعيش فيها، ومسح وإحصاء للحاجات والكفاءات دراسة شاملة، وتوزيع الثروة الفكرية والخبرة العملية حسب الحاجة، وفي كل بلد يوجد مثل هذه القطاعات المهجورة التي تسترعى الانتباه، وقد تركزت الجهود في المدن وحشدت في بعض الأصقاع، فإذا قام العمل الإسلامي على أساس دراسة، ووجهت العناية إلى القطاعات المهجورة لإزالة التفاوت، ووجد التعاون بين الأوساط الرسمية والحركات الطوعية، لأثمرت هذه الجهود أكثر مما تثمر اليوم، وخير الغيث ما عم، كما أن طاقاتها تركز على النظرية والدفاع، وتناول الشبهات والتهم والدعاوي التي لا حاجة إلى إعادتها وردها، وإضاعة الوقت فيها، بدلاً من أن تختار مجالات العمل الجديدة، وإثبات سداد الإسلام عمليًا، وحل مشاكل الحياة الإسلامية والتنظيم لجميع قطاعاتها طوعيًا”. (الرائد، السنة:53،أغسطس وأول سبتمبر 2011م).
وتتيسر اليوم لكل شخص حريةٌ لعرض فكره وتصوره ورأيه وموقفه بفضل الثورة الرقمية، وتوافر وسائل التكنولوجيا الجديدة المتطورة، وقد منحت حريةُ التفكير والكتابة والبيان كل كاتب أو متكلم حرية مطلقة للنقد،وإن هذه الحرية تحدث اليوم فوضي فكرية، واتجاهات متعارضة لاختلاف طبائع الناس، فتظهر ردود فعل مختلفة، وإن الاستعجال في إبداء الرأي والتسابق إلى العمل بدون تدبر وتفكير ودراسة للعواقب يسبب ظروفًا محرجة للأمة الإسلامية بكاملها، ويحدث الانشقاق والانفصال في صفوف المسلمين، ويفرق الجهود والعمل، كما يعطي الأعداء فرصة للنقد أو اتخاذ إجراء أشد وأقسى، فتتسع الفجوات بين المسلمين، وتذهب المساعي سدى.
فإن هذا الوضع السائد اليوم يتطلب من القادة والدعاة التحرُّك العاجل لمنع اتساع الفجوات والثغرات بين المسلمين في كل بلد، وبذل الجهد المنظم الموحد لجمعهم على رصيف واحد للخروج من الأزمات والمشكلات،ومعالجة القضايا المنفرة، والبحث عن وجوه التصالح والتعاون.
فالمسئولية الكبرى للعلماء والقادة والمصلحين والدعاة اليوم أن يتواصوا فيما بينهم بالحق والصبر، ويسعوا لبقاء الأمة كالبنيان المرصوص، والجسد الواحد، محتفظين بالأمانة التي ألقيت على عواتقهم، و الرسالة التي يحملونها للناس، كما يجب عليهم التكاتف والتعاضد، والتعاون والتضامن فيما بينهم، والابتعاد من التناحر، وتجنب التخاصم والتفرُّق في الصف والعمل

About the Author

محمد وثيق ندوی

Columnist

الدكتور محمد وثيق الندوي رئيس تحرير صحيفة الرائد، وله إسهامات في مجالات اللغة العربية والأدب والفكر والثقافة الإسلامية. يهتم بالبحث العلمي والكتابة والتأليف، ويشارك في إثراء الساحة الثقافية والفكرية من خلال مقالاته ودراساته، إلى جانب اهتمامه بالقضايا العلمية والأدبية والثقافية.

View all stories →

What do you think?