قال المتنبي:
أَعَزُّ مَكَانٍ فِي الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ
وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
ذات يوم، بينما كنت أطالع في غرفتي كتابًا قيّمًا، مشهورًا لدى العلماء والأدباء المهتمين باللغة العربية وآدابها، لاحظت أن النسخة التي بين يديّ، والتي كنت قد اشتريتها قبل سنتين، حين قدمت إلى مصر، لم تكن جيدة الطباعة، وكانت كتابتها غير واضحة، فضلًا عن دقة عباراتها ورداءة ورقها. فاستحوذت فكرة شراء نسخة أخرى تتوافر فيها الصفات المعاكسة لهذه الأوصاف على ذهني، وعزمت على التوجه إلى المكتبات الواقعة خلف الجامع الأزهر الشريف لشرائها.
وفي صباح يوم الجمعة الموافق 23 أكتوبر 2026م، استقللت سيارةً من أمام البوابة الرئيسية لمقر إقامتي في مدينة البعوث الإسلامية التابعة لجامعة الأزهر الشريف، متجهةً إلى المنطقة المحيطة بالجامع الأزهر، وما هي إلا دقائق معدودة حتى وصلت إلى وجهتي.
المكتبات
وبعد قسط من الراحة في الكلية، بدأت أبحث عن تلك النسخة بكل ما أملك من شوق ورغبة في اقتنائها. وظللت أفتقدها وأسأل عنها في مكتبة تلو أخرى، حتى طال بي البحث. وكنت أتردد على المكتبات المختلفة، متنقلًا بين مكتبة اللؤلؤة، ومكتبة دار ابن كثير، والمكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع، ومكتبة التقوى، وغيرها، كما تدور الرحى حول قطبها. وما شعرت إلا وقد مضت ثلاث ساعات في البحث والتفتيش، دون أن أجد النسخة التي أنشدها، حتى أرهقني التعب وأضناني البحث.
وبينما دخلت مكتبة دار ابن حزم وقد تملكني اليأس، تحققت أمنيتي ونلت بغيتي، فكِدت أطير فرحًا وسرورًا، كفرح المحب بلقاء حبيبه، وزال عني ما لحقني من التعب. وها هي ذي النسخة التي تتوافر فيها جميع الصفات المطلوبة: جودة الطباعة، ووضوح الكتابة، وجمال الخط، وجودة الورق. فما أسرعتُ إلى شرائها حتى دفعت فيها مائةً وتسعين جنيهًا مصريًّا، دون مساومة، فغمرتني فرحة عارمة، وانعكس ذلك على نفسي بهجةً وحبورًا.
كتاب البخلاء
لعلكم تتساءلون عن اسم الكتاب. نعم، إنه كتاب أدبي فريد في أسلوبه، متميز في منهجه، ذاع صيته بين الأدباء والكتّاب، ولم يُكتب على منواله كتاب، لا قبله ولا بعده؛ ألا وهو كتاب البخلاء.
وهو كتاب يشوّق الطلاب إلى اللغة العربية، ويرشد الكتّاب إلى أصول الإنشاء الأدبي وأساليبه، كما يعلّمهم التعبير عن مشاعرهم ووجداناتهم بعبارات أدبية بليغة. ويحثّ القرّاء على مطالعة الكتب العربية، فضلًا عن احتوائه على رسائل ووصايا وردود مطوّلة، وقصص عن البخلاء والأشحاء، صيغت بعبارات سلسة وأساليب أدبية لا تليق إلا بمكانة مؤلفه، الجاحظ.
الجاحظ
هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ (163–255هـ / 780–868م)، وقد عُرف بأنه من أكثر أهل عصره قراءةً، وأشدهم حبًّا للكتب، وحرصًا على التماس المعرفة. فقد كان يقرأ كل كتاب يقع بين يديه قراءة مستوفية، حتى قيل إنه كان يستأجر دكاكين الورّاقين ليبيت فيها، ويقضي ليله في مطالعة الكتب.
وقد ألّف نحو مائة وخمسين كتابًا في مختلف المعارف، ومن أنفسها كتاب البخلاء، ومن أشهرها كتاب البيان والتبيين.
قال ابن خلدون:
«سمعنا من شيوخنا في مجالس العلم أن أصول فن الأدب وأركانه أربعة دواوين، وهي: أدب الكاتب لابن قتيبة، وكتاب الكامل للمبرّد، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب النوادر لأبي علي القالي؛ وما سوى هذه الأربعة فتبَعٌ لها وفروعٌ عليها».
