Nahda Network
إقرأ الآن

رضوى عاشور.. فراشة الأدب

قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية.
قاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية.

كعادتي حين أكون متواجدةً بقسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة عين شمس، يلازمني شعور بالتشتت؛ فأنا دومًا على موعد: امتحان، أو تسليم بحث، أو لقاء بإحدى الصديقات.

يلازمني هذا التشتت منذ أن أحببت أن أحاكي أولئك اللواتي يجمعن بين العمل والدراسة، ويردّدن بثقة: «نحن قويات، نحن قادرات»، بينما أنا لست قوية، وأشك في أنني قادرة. بين جنبات تلك المباني والجدران، ثمة حلم أخشى فقدانه.

كنت أتلفت حولي بحثًا عن القاعة 218 لأداء امتحان فقه اللغة، حتى وقعت عيني على لافتة معلقة على إحدى القاعات، كُتب عليها: رضوى عاشور…

أصابتني دهشة ممزوجة بالشجن والحنين. رضوى عاشور! فراشة الأدب! شعرت كأنها ماثلة أمامي بكتاباتها وكلماتها وسحر ابتسامتها.

وقفت طويلًا أتأملها، ونسيت أنني على موعد مع امتحان، ونسيت أسماء المعاجم التي ظللت طوال الليل أحفظها وأردد أسماءها. كانت وقفتي لافتة للانتباه، حتى قال لي عم أحمد، صاحب الكانتين، مازحًا: «أنتِ تكلمين هذه؟» مشيرًا إلى اللافتة.

في تلك اللحظة، كنت أشعر بحرب أُوقِدت في وجداني، وبمشاعر مختلطة تزاحمني، عجزت عن ترجمتها، لكنني شعرت بأن رضوى وحدها هي مَن أدركتني في تلك اللحظة، ورأت ما في داخلي.

ربما تكون هذه المرة الثالثة التي ألتقي فيها رضوى. التقيتها أول مرة منذ سنوات طوال في «ثلاثية غرناطة»؛ فتجولت بي في أزقة غرناطة، وحكت لي عن تاريخ المدينة، من نهضتها إلى سقوطها، وعن معالمها وعائلاتها وأعيانها.وَذَكَرَتْ تَفَاصِيلَ كَثِيرَةً دَقِيقَةً وَمُؤْلِمَةً، حَتَّى شَعَرْتُ أَنَّ رَضْوَى تَحْمِلُ بجَسَدِهَا رُوحًا غَرْنَاطِيَّةً هِيَ مَنْ أَخْبَرَتْهَا بِكُلِّ ذَلِكَ.

ثم أحببت لقاءاتها، فالتقيتها تارة أخرى في «الطنطورية»، فطافت بي في عالم فلسطين المؤلم، وقصّت عليّ تاريخ عائلاتها المقدسة وأبنائها المهجّرين، فأقسمت أن رضوى فلسطينية، ثم احترت في أمرها: أهي غرناطية أم فلسطينية؟

فإن كان للشعراء شياطين تلهمهم القول، فلأصحاب النثر، مثل رضوى، أرواح قديمة تتلبّسهم، وتخبرهم بما مضى بشفافية ومصداقية.

ثم عزمت أن أذهب إلى زوجها، مريد البرغوثي، في «رأيت رام الله»، لأرى رضوى بعين مريد، فرأيتها معه في كل تفاصيله. وعجبت لأمر مريد؛ فهو يقدمها في كتاباته قائلًا: «ذهبت رضوى وأنا وناجي…»، وكأنه يقول للسادة القراء: أنا من رضوى، وأنا بها.

ومنذ يومين، كنت أستمع إلى الدكتور أحمد خالد توفيق ـ رحمه الله ـ وهو يعلّق على الأدب النسوي، قائلًا: «أنا لست من هواته، لكنني أتمنى لو أكتب صفحة مثل رضوى عاشور».

حينها أيقنت أن رضوى جميلة خُلقت من الجمال، وأنها تستحق أن تكون فراشة الأدب؛ فقد وهبت قلمها ونفسها لخدمة قضاياها التي آمنت بها.

فسلام الله على روحك الطاهرة، يا رضوى.

About the Author

Nahda Team

NAHDA Network contributor covering stories, developments and perspectives that matter to our readers.

View all stories →

What do you think?