إن مكانة الوالدين تحتل مكانة عظيمة في المذاهب كلها من العالم كله، ولا سيما الإسلام بأن جعل بِرّهما أهم فرض من فرائض اللّه، وأفضل عبادة من عباداته، كما أن اللّه -جل وعلا- قرن بعبادته ووحدانيته الإحسان والشكر إليهما، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل برهما أفضل من الجهاد في سبيل الله، وكيف لا؟ إن أسمى العلاقات المتبادلة في الدنيا، العلاقة بين الآباء والأبناء ، وهي تجمع بين الرحمة والشفقة، وبين الحب والعطف، وأن مجرد تواجد الوالدين في الدنيا نعمة عظيمة من نِعم اللّه لا تعدلها نعمة، وسعادة حقيقية لا تمثلها سعادة، كما أنهما شجرة ظليلة يأمن الإنسان أنفسهم تحت ضلالها، ومدرسة يتربى فيها الأولاد تربية إسلامية صحيحة ترسخ في قلوبهم وعقولهم. وعقيدة سليمة تقوي الإيمان في أفئدتهم وأذهانهم، بالإضافة إلى أنهما زينة البيوت، وزينة دنيا الإنسان مهما كان حالهما.
أهمية الوالدين في القرآن.
إن الكثير من الآيات تنطق عن مكانة الوالدين وفضلهما في المواضع المتعددة من القرآن الكريم، فحسبنا دليلاً على سمو مكانتهما قول الله -تعالى- حيث قرن الاحسان اليهما بعبادته قائلاً : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً.{الإسراء:23}.
قال المفسرون: قرن اللّه -تعالى- بعبادته بر الوالدين لبيان حقهما العظيم على الولد؛ لأنهما السبب الظاهر لوجوده وعيشه، ولما كان إحسانهما إلى الولد قد بلغ الغاية العظيمة، وجب أن يكون إحسان الولد إليهما كذلك. {صفوه التفاسير 1 / 157 }
٢. ومما يزيد أهمية الموضوع هو أن الإحسان إليهما وبرهما لا يختص بإسلام الوالدين، بل يجب حتى ولو كانا فاسقين أو مشركَين؛ فقال -سبحانه وتعالى- وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما، إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. {العنكبوت:8}
قال ابن كثير: أي وإن حرصا أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركَين فلا تطعهما في ذلك؛ فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينهما، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك. {تفسير ابن الكثير :29/3 بيروت}
.
كما روى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر -رضي اللّه عنها- قالت: قدمت عليّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذا عاهدوا رسول الله -صلى اللّه عليه وسلم- ومدتهم، فاستفتيت رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم- فقلت: إن أمي قد قدمت عليّ وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: صِلي أمك، فأنزل الله -تعالى- لا ينهاكم اللّه عن الذين لم يقاتلوكم في الدين … {الممتحنه:9/8}
٣. كما تظهر أهمية الوالدين في أمر الدعاء لهما حيَّين أو ميّتَين؛ كماخاطب ربنا -سبحانه وتعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- قائلا: قل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً. {الإسراء:23}
قال ابن العربي: معناه: أدع لهما في حياتهما وبعد مماتهما بأن يكون الباري يرحمهما كما رحماك، وترفق بهما كما رفقاك؛ فإن اللّه هو الذي يجزي الوالد عن الولد؛ اذ لا يستطيع الولد كفاء على نعمة والده أبداً. {أحكام القران لابن العربي: 185/1 دار الفكرة}.
أهمية الوالدين في السنة.
وردت أحاديث متعددة عن فضيلة الوالدين والإحسان اليهما.
.1 أن النبي -صلى اللّه عليه وسلم- جعل بر الوالدين أفضل من الجهاد؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سالت النبي -صلى اللّه عليه وسلّم-: أي العمل أحب إلى الله؟ قال الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال الجهاد في سبيل الله {متفق عليه: البخاري:(27 5) ومسلم (85)}.
فهذا الترتيب في الحديث الشريف يكشف عن مرتبة الوالدين أنها أحب الأعمال إلى الله بعد الصلاة وأفضل من الجهاد.
.2 إن بر الوالدين مما يؤدي إلى دخول الجنة؛ فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- قال: قال رسول الله -صلى اللّه عليه وسلم-: رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة }مسلم:2521{
.3 ومن أبرز مظاهر الإسلام الحنيف أنه أمر الولد بصلة أصدقاء والده ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه لقيه رجل بطريق مكة، فسلّم عليه ابن عمر ، وحمله على حمار كان يركبه ، وأعطاه عمامة كانت على رأسه ، فقال ابن دينار: فقلت له: -أصلحك الله تعالى- إنهم الاَعراب وهم يرضون باليسير ، فقال: إن أبا هذا كان وُداً لعمر بن الخطاب ، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن اَبر البر صلة الوالد أهل وُد أبيه.} رواه مسلم باختلاف يسير:2552{
فهذه الأدلة كلها مما تثبت قدسية الوالدين وتبرهن على علو مكانتهما وتشيد برفع مقامهما.
عقوق الوالدين وعقوبته.
ولقد حذرنا النبي – صلى الله عليه وسلم- من عقوق الوالدين أشد التحذير حتى عده من أكبر الكبائر.
.1فروى البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا؟،قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وجلس، وكان متكئاً، وقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. {البخاري (2654)، مسلم (593{(.
.2 ومن عقوق الوالدين أن يتسبّب الولد إلى شتمهما ؛ فعن سيدنا عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه. }البخاري: 5973{
حكم بر الوالدين.
وبر الوالدين فرض عين: فهو عبادة لا تقبل النيابة: قال العلامة ابن مازه البخاري الحنفي في “المحيط البرهاني في الفقه النعماني”: وطاعة الوالدين وبرهما فرض خاص لا ينوب البعض فيه عن البعض.” }5/ 386، دار الكتب العلمية.{
وقال العلامة ابن أبي زيد القيرواني المالكي في “متن الرسالة” : ومن الفرائض بر الوالدين وإن كانا فاسقين وإن كانا مشركين فليقل لهما قولاً ليناً وليعاشرهما بالمعروف ولا يطعهما في معصية؛ كما قال الله سبحانه وتعالى} 153، دار الفكر{
وقال شيخ الإسلام النووي في “المجموع” (19/ 276، ط. دار الفكر): [وبر الوالدين فرض يتعين عليه] اهـ.
وقال العلامة ابن قدامة الحنبلي في “المغني” (9/ 208، ط. مكتبة القاهرة): [بر الوالدين فرض عين] اهـ.
مسؤوليات الوالدين تجاه الأولاد.
ان للأولاد على الوالدين حقوقاً كما كان للوالدين على الأولاد حقوقاً، فعلى الآباء مسؤوليات تجاه الأبناء؛ كما قال -سبحانه وتعالى- يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً، فأمر الله -سبحانه وتعالى- الوالدين لوقاية أولادهما النار.
مسؤولياتهما ما يلي.
- تسمية الأولاد بأفضل الاسم بعد الولادة؛ كما روى مسلم عن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال أحب أسماءكم إلى اللّه عبد اللّه وعبد الرحمن. {مسلم:2132}
- تعليمهم العقيدة الصحيحة، والتوكل على الله، كما علّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غلاماً؛ فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال : كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً ، فقال : ( يا غلام ، إني أُعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سأَلت فاسأَل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .{ 2526}.
- تاديبهم وتربيتهم بأفضل التاديب والتربية؛ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من ادب حسن. {الترمذي: 1952}
- تعويدهم على الصلاة وتفريق مضاجعهم بعد عشر سنوات. كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مرور أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجعهم. {ابو داؤد: 495}
- العدل بين الأبناء، وعدم التفرقة في المعاملات بينهم؛ لأن هذا يورث لدى الأولاد الشحناء والبغضاء؛ كما قال رسول اللّه – صلى الله عليه وسلم- اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. {البخاري:2587}
- عدم الدعاء على الأبناء. كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم. { مسلم:3009}
- إبعادهم عن سوء المصاحبة وعن الجليس السوء؛ كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير. {البخاري:2101}
- مراقبتهم حينا بعد حين،ولا سيما في العصر الراهن كي لا يتعودوا على الألعاب المهلكة، والأفلام الإباحية، والأغاني الفاحشة عبر السوشيال ميديا.
ومما سبق من الآيات والأحاديث يتبين لنا أن بر الوالدين من أفضل العبادات، وأن عقوقهما من أكبر الكبائر،كما أن الاحسان اليهما سبب من اسباب دخول الجنه وعقوقهما مما يؤدي إلى دخول النار.
