إن الإسلام دين الكمال والجمال، وقد جاء بتعاليم شاملة تهتم بحياة الإنسان ظاهرًا وباطنًا، ومن ذلك عنايته البالغة بالنظافة والطهارة، وحثّه على التحلي بهما في حياة الفرد والمجتمع. فالنظافة ليست مجرد عادةٍ أو سلوكٍ صحي، وإنما هي قيمةٌ إسلامية وحضارية لها أثرٌ كبير في حياة الإنسان وسلامة المجتمع والبيئة.
ومن هنا تتجلى مكانة النظافة في الإسلام، وتتأكد مسؤوليتنا في المحافظة عليها وترسيخها سلوكًا يوميًا في حياتنا، لما لها من أثر في صحة الفرد، وصلاح المجتمع، وجمال البيئة.
فالنظافة لغةً.
النظافة : مصدر نظف نظافة فهو نظيف معناه: نقي من الوسخ والدنس.
واصطلاحاً.
هي النقاء من الدنس والأوساخ وكل مستقذر.
أهمية النظافة في القرآن.
إن العديد من الآيات القرآنية تشير إلى سمو مكانة النظافة وأهميتها.
فمنها: إن الله -تبارك وتعالى- جعلها شرطاً عنصرياً لأفضل العبادات على الإطلاق ألا وهي الصلاة. فقال ربنا -جل وعلا- يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ومسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أولمستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدا طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه {المائده :٦}
فجعلها اللّه -تبارك وتعالى- شرطاً لكثير من العبادات وهي الصلاة والطواف ومس المصحف.
وقد نعلم أن النظافة تشمل على نظافة البدن، والثوب والمكان،فهذه الآية تدل على نظافة البدن وطهارته قبل الصلاة كما أن الإسلام حث على نظافة البدن من الولادة إلى الوفاة من حيث الختان وحلق الشعر بعد الولادة، وغسل الميت بالماء والسِدر والكافور بعد الوفاة.
ومنها: إن اللّه -تبارك وتعالى- مدح الذين يهتمون بالنظافة ويحافظون عليها فقال: فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المتطهرين. {التوبة: 10}
وقال أيضاً : إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. { البقرة : 222}
فهذه الآية تدل على أن النظافة سبب من أسباب محبة الله -تبارك وتعالى- إلى عباده المطهرين والمتطهرين.
ومنها: إن الله -عزوجل- أمر بتطهير الثياب كما أمر بتطهير البدن فقال: وثيابك فطهر {المدثر: 4}
أهمية النظافة في السنة.
إن الأحاديث النبوية أيضا قد وردت عن الحفاظ على النظافة في شتى المجالات: كنظافة الأبدان والثياب والأفنية والمساجد والطرق وغيرها.
١. فمن مظاهر الإسلام في النظافة، أنه حرص عليها حرصاً شديداً حتى جعلها النبي -عليه الصلاة والسلام- نصف الإيمان ؛ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري شقال: قال -عليه الصلاة والسلام- الطهور شطر الإيمان… {مسلم 223:}
نظافة الطريق.
ومما حذرت السنة أشد التحذير: هوالتخلي في الطريق {التغوط} أو مواضع الظل، وجعل الشارع هذا الفعل الشنيع مما يجلب اللعنة على من يتبوّل في الطريق او الظل؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول اللّه ـ صلى الله عليه وسلم- قال: اتقوا اللّاعنين، قالوا: وما اللا عنان؟ يا رسول الله. قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم. (مسلم269 ) وكما قال -عليه الصلاة والسلام – إماطته الأذى عن الطريق صدقة. {ابو داؤود1285 :}.
نظافة الأفنية.
فروي عن رسول الله -صلى اللّه عليه وسلم- قال: إن الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم، ولا تشبهوا باليهود. (رواه الترمذي) وقال هذا غريب.
الأفنية: المكان الذي يكون أمام البيت. فلما أمر الشارع بتنظيف الأفنية عن القاذورات والمخلفات، فبالأولى يشمل الأمر تنظيف الدار وما فيها.
نظافة المسجد.
ومن عنايات الإسلام بالنظافة، نظافة المسجد؛ فحض النبي -صلى اللّه عليه وسلم – على نظافة المسجد حضا شديداً قائلاً : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، وإنما هي لذكر الله وقراءة القرآن {رواه مسلم 285 :}
وكما منع النبي -صلى اللّه عليه وسلم- عن الدخول في المسجد بعد أكل شيء يؤذي الناس والمصلين؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن جابر -رضي الله عنه- قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم- عن أكل البصل والكرات فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منها، فقال: من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس.{مسلم:{564
نظافة الأسنان.
ومن تمام النظافة في الإسلام، أنه عُني بتنظيف الأسنان عناية كاملة حتى قال -عليه الصلاة والسلام- لولا أن أشق على أمتي ، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة. (متفق عليه،البخاري :5317.مسلم:253) وجعل النبي -عليه السلام- السواك سببا من أسباب رضا الله -تبارك وتعالى- فقال: السواك مَطهرة للفم، ومرضاة للرب. {النسائي، باب الترغيب في السواك}
مسؤوليّاتنا في النظافة.
فمن الواجب على كل بشر بغض النظر عن مذهبه وديانته رجلاً كان أو امرأة أن يهتم بالحفاظ على النظافة في كل شعبة من الحياة الفردية والاجتماعية، فأول خطوة من خطوات الحفاظ على النظافة : أن يبداها كل واحد من نفسه، كالاغتسال، وتقليم الأظفار، وتكريم الشعر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والسواك، بالإضافة إلى تنظيف غرفته، وبيته، وطريقه الذي يمشي عليه ليلاً ونهارا،وكذلك غسل اليدين قبل الطعام وتغطية الإناء.
وإلى جانب ألا يلقي القاذورات والمخلفات إلا في مكان مخصص لها، وألا يبصق هنا أو هنا، وألا يتنفس في الإناء عند الشرب،فإن هذه الأشياء لما يلاحظها كل واحد في حياته يومياً، تصير المجتمعات والبيئات والأجواء نظيفة بنفسها، فيتنفس الانسان الهواء الصافي النقي ويعيش بعيشة راضية، ولا تتسرب الأمراض والأدواء إلى انسان ولا حيوان.
ومما تقدم من الآيات و الأحاديث يتجلى لنا أن النظافة نصف الإيمان، وأنها جزء عنصري للتعايش في المجتمعات والبيئات،كما أن الحفاظ عليها يؤدي إلى الصحة الجيدة، والهواء النقي، والأجواء الصافية،وعكسها يجلب الأمراض والوباء.
