
في ليلة علمية وأدبية متميزة، احتضنت رابطة الأدب الإسلامي العالمية – مكتب مصر – لقاءً خاصًا احتفاءً بوفد ندوة العلماء القادمين من الهند، في مشهد جمع بين دفء الأخوة العلمية وعبق التاريخ المشترك، واستعاد فيه الحاضرون صفحات مضيئة من مسيرة ندوة العلماء ورابطة الأدب الإسلامي، واستشرفوا آفاقًا جديدة للتعاون بين المؤسسات العلمية والأدبية في مصر والهند والعالم الإسلامي.
وحضر اللقاء عدد من العلماء والأدباء وأساتذة الجامعات والمهتمين باللغة العربية والأدب الإسلامي، وكان في مقدمة الوفد الزائر الدكتور فيصل أحمد الندوي، والأستاذ ظفر الدين الندوي، والأستاذ اصطفاء الحسن الندوي، والأستاذ محمد زيد، إلى جانب الأستاذ حسين أحمد الهريدواري، ممثل ندوة العلماء في مصر.
وأدارت اللقاء الشاعرة الأستاذة نوال مهني، رئيسة مكتب رابطة الأدب الإسلامي في مصر، التي رحبت بالوفد ترحيبًا حارًا، ورأت في حضوره إلى مقر الرابطة عودةً إلى الجذور الأولى للمشروع الأدبي الإسلامي، واستحضارًا لجهود الرواد الذين أسهموا في تأسيس هذا الصرح ونشر رسالته في مختلف أنحاء العالم.
وأكدت في كلمتها أن حضور أبناء ندوة العلماء في مقر الرابطة يحمل دلالة خاصة؛ فاسم «الندوي» يستحضر في الذاكرة الإمام أبا الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله، أحد أبرز أعلام الفكر الإسلامي، ومؤسس رابطة الأدب الإسلامي العالمية، الذي ارتبط اسمه بمشروع أدبي وفكري تجاوز الحدود الجغرافية، وأصبح له حضوره في عدد من البلاد الإسلامية.

ندوة العلماء.. فكرة ومنهج ورسالة
وفي الجانب الرئيس من اللقاء، تحدث الأستاذ ظفر الدين الندوي عن فكرة ندوة العلماء ومنهجها، موضحًا جوانب من المشروع الذي قامت عليه الندوة، وما سعت إليه من الجمع بين الأصالة العلمية والانفتاح على العصر، والعناية بالعلوم الإسلامية واللغة العربية، وإعداد جيل من العلماء القادرين على حمل رسالة الإسلام في واقع متغير.
وتناول الأستاذ الدكتور فيصل أحمد الندوي الجهود التي سبقت تأسيس رابطة الأدب الإسلامي، مبينًا أن قيام الرابطة لم يكن حدثًا منفصلًا عن مسار طويل من الجهود العلمية والفكرية والأدبية، وإنما جاء ثمرةً لتراكم من الأعمال والمحاولات التي أسهم فيها عدد من العلماء والأدباء، وفي مقدمتهم الإمام أبو الحسن الندوي رحمه الله.
أما الأستاذ اصطفاء الحسن الندوي فتحدث عن ندوة العلماء وحركة رسالة الإنسانية، مبرزًا البعد الإنساني في رسالة المؤسسة، وما تقوم به من جهود في خدمة العلم والدين والأخلاق، والتأكيد على القيم التي تجمع الناس وتدعو إلى الخير والرحمة والتعاون.
غريب جمعة.. صلة تمتد لعقود
وكان للدكتور غريب جمعة حضور بارز في اللقاء، حيث تحدث عن صلته القديمة بندوة العلماء ورجالها، وهي صلة تعود إلى عقود مضت، مستحضرًا ذكريات عدد من أعلامها الذين كان لهم أثر في الصحافة العربية والفكر الإسلامي.
وأشار إلى مجلة «البعث الإسلامي» وجريدة «الرائد»، بوصفهما من أبرز مظاهر عناية ندوة العلماء باللغة العربية والصحافة الإسلامية، موضحًا ما تميزت به «البعث الإسلامي» من طابع علمي وبحثي، وما عُرفت به «الرائد» من طابع صحفي.
واستحضر الدكتور غريب عددًا من أعلام ندوة العلماء الذين ارتبط بهم خلال مسيرته، ومنهم الشيخ الدكتور سعيد الأعظمي الندوي، والشيخ واضح رشيد الندوي رحمه الله، كما تحدث عن الإمام أبي الحسن الندوي رحمه الله، وعن أثره في نشأة مفهوم الأدب الإسلامي وترسيخ هذا المصطلح وتأسيس رابطة الأدب الإسلامي.
وأكد أن ما جمعه بندوة العلماء لم يكن مجرد علاقة عابرة، وإنما صلة علمية وأدبية امتدت سنوات طويلة، قوامها المحبة والعلم وخدمة اللغة العربية والإسلام.
إشادة مصرية برسالة ندوة العلماء
وشارك عدد من العلماء والأدباء المصريين في اللقاء بكلمات ومداخلات رحبوا فيها بالوفد، وأشادوا بالدور العلمي والثقافي الذي قامت به ندوة العلماء في الهند.
وتحدث الدكتور غانم سعيد، عميد كلية اللغة العربية الأسبق بجامعة الأزهر، مشيدًا بالوفد وبالمستوى العلمي واللغوي الذي ظهر به أعضاؤه، ولا سيما تمكنهم من اللغة العربية، مؤكدًا أن العناية بالعربية والعلوم الإسلامية في بيئة غير عربية تمثل نموذجًا جديرًا بالتقدير والدراسة.
كما تحدث الدكتور زهران عن أهمية التواصل بين المؤسسات العلمية والأدبية في مصر والهند، مؤكدًا أن مثل هذه اللقاءات تفتح أبوابًا للتعارف والتعاون، وتساعد على التعريف بالجهود العلمية والفكرية التي قدمتها ندوة العلماء، كما تعزز الروابط بين العلماء والأدباء في العالم الإسلامي.
وأشاد الدكتور عبد الغفار خلف الله بما تمثله ندوة العلماء من نموذج في المحافظة على الهوية الإسلامية والعناية باللغة العربية، مشيرًا إلى أثر تربيتها العلمية والأخلاقية في أبنائها، كما تحدث عن بعض الجهود الإنسانية التي يقوم بها الدكتور غريب جمعة في دعم المحتاجين ومساعدة الأسر السودانية المقيمة في مصر، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان.
أما الدكتور ناصر وحدان فقد اختصر مداخلته في ثلاث رسائل: شكر، وإعجاب، وأمنية. فوجه الشكر إلى القائمين على الرابطة والوفد الزائر، وأبدى إعجابه بمستوى اللغة العربية لدى أعضاء الوفد، ثم طرح أمنية بإنجاز دراسات ورسائل جامعية تتناول جهود رابطة الأدب الإسلامي وندوة العلماء، وتوثق تاريخهما وآثارهما العلمية والفكرية والأدبية.
الأدب الإسلامي.. رسالة في مواجهة تحديات العصر
ولم يكن الحديث في اللقاء منصرفًا إلى التاريخ وحده، بل امتد إلى الواقع والتحديات التي تواجه الأمة في عصر الإعلام المفتوح والمنصات الرقمية.
وأكد المشاركون أن الأدب الإسلامي اليوم أمام مسؤولية كبيرة، في ظل ما تبثه بعض وسائل الإعلام والمنصات الحديثة من مضامين تؤثر في الشباب، وتؤدي إلى إضعاف القيم الأخلاقية والثقافية.
ومن هنا برزت الدعوة إلى أن ينهض العلماء والأدباء والمفكرون برسالتهم، وأن يقدموا أدبًا راقيًا يجمع بين جمال الفن وسمو القيمة، ويخاطب عقل الإنسان ووجدانه، ويسهم في بناء الشخصية المسلمة القادرة على مواجهة تحديات العصر.
كما حضر البعد الإنساني والقضايا المعاصرة في كلمات المشاركين، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية تجمع أبناء الأمة وتستدعي مزيدًا من التضامن والتعاون.
نحو تعاون أكاديمي بين الهند ومصر
ومن أبرز الأفكار التي طُرحت خلال اللقاء الدعوة إلى تطوير التعاون الأكاديمي بين ندوة العلماء والمؤسسات التعليمية في مصر، ولا سيما جامعة الأزهر، إلى جانب الجامعات الإسلامية في مختلف أنحاء العالم.
وأكدت الأستاذة نوال مهني أن اللقاء ينبغي ألا يظل مناسبة احتفالية عابرة، بل يتحول إلى بداية عملية للتعاون العلمي، من خلال تبادل الطلاب والباحثين، وتشجيع الدراسات والرسائل الجامعية التي تتناول تجربة ندوة العلماء ورابطة الأدب الإسلامي، والاستفادة من وسائل التعليم الحديثة والتعليم عن بُعد.
كما دعا المشاركون إلى مد جسور التواصل بين الجامعات والمؤسسات العلمية في الهند ومصر، بما يسمح بتبادل الخبرات، والتعاون في البحث العلمي، وخدمة اللغة العربية والدراسات الإسلامية والأدب الإسلامي.
أخوة تتجاوز الحدود
وقد اتسم اللقاء بروح أخوية واضحة، عبّر عنها عدد من المشاركين من خلال كلمات أدبية وقصائد شعرية ترحب بالوفد القادم من الهند، وتؤكد أن الأخوة الإسلامية لا تحدها الجغرافيا ولا اختلاف البلدان.
وفي هذا السياق جاءت الكلمات مرحبةً بالدكتور فيصل أحمد الندوي، والأستاذ ظفر الدين الندوي، والأستاذ اصطفاء الحسن الندوي، وبقية أعضاء الوفد، باعتبارهم امتدادًا لمدرسة علمية عريقة كان لها حضور بارز في خدمة الإسلام واللغة العربية والأدب الإسلامي.
كما عبّرت القصائد والكلمات الترحيبية عن عمق الصلة بين مصر والهند، وعن المكانة التي تحتلها ندوة العلماء في ذاكرة المهتمين بالعلم والأدب الإسلامي.
لقاء يستعيد الماضي ويستشرف المستقبل
وفي ختام اللقاء، بدا واضحًا أن الزيارة لم تكن مجرد مناسبة للتعريف بندوة العلماء، وإنما كانت فرصة لاستعادة تاريخ طويل من العلاقات العلمية والأدبية بين الهند ومصر، والتذكير بالرواد الذين أسهموا في بناء جسور التواصل بين البلدين.
فندوة العلماء، التي نشأت في الهند، لم تحصر رسالتها في حدود الجغرافيا التي قامت فيها، بل امتدت آثارها إلى العالم الإسلامي، وكانت اللغة العربية والأدب الإسلامي من أبرز الميادين التي حملت من خلالها رسالتها.
وفي المقابل، احتضنت القاهرة هذا اللقاء بما لها من مكانة علمية وثقافية، وبما تمثله رابطة الأدب الإسلامي من امتداد للمشروع الذي ارتبط اسمه بالإمام أبي الحسن الندوي رحمه الله.
وهكذا اجتمع في ليلة واحدة العلم والأدب، والهند ومصر، وندوة العلماء ورابطة الأدب الإسلامي، في مشهد يعيد التأكيد على أن الرسائل العلمية والفكرية الكبرى لا تقف عند حدود البلدان، وإنما تعيش بقدر ما تجد من يحملها بإخلاص، ومن يمد لها جسور التواصل من جيل إلى جيل.
ومن المؤمل أن تكون هذه الزيارة بدايةً لمرحلة جديدة من التعاون بين ندوة العلماء ورابطة الأدب الإسلامي، وأن تتبعها لقاءات وبرامج علمية وأكاديمية تسهم في خدمة اللغة العربية والأدب الإسلامي، وتعزيز التواصل بين علماء الأمة ومؤسساتها العلمية والثقافية.
