نحن اليوم في حاجة ماسة إلى استعادة الدور التاريخي للمسجد، كما كان عليه في صدر الإسلام وما تلاه من عصور الإسلام الزاهرة. فلم يكن المسجد مجرد مكان للعبادة، بل كان بيتًا للشورى، والتخطيط لمستقبل الإسلام، والدفاع عن قضاياه، وتوجيه سلوكيات المجتمع وتقويمها.
عبر عن هذه الكلمات الأستاذ الدكتور عباس شومان الأمين العام لهيئة كبار العلماء، رئيس المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، في مؤتمر بجاكرتا عاصمة إندونيسيا تحت عنوان”المسجد وسالة الإمام”قال عباس شومان مبينا منهج الوسطية والاعتدال: عليكم بتبنِّي خطاب وسطي معتدل، يجمع ولا يفرِّق، ويحترم ثقافة الآخر وإن لم تؤمنوا بها، مع اعتزازكم بثقافتكم الإسلامية وشريعتكم السمحة.
مذكرا الناس بمبادئ الدين فقال: التنوع والتعدد بين البشر، وأن ميزان التفضيل بينهم هو الاستقامة واتباع المنهج القويم:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
ولو شاء ربنا ألَّا يكون هذا التنوع ما كان بين الناس:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
فالتنوع والتعدد سنة الله في خلقه، فاقبلوه، واطلبوا من الناس التعايش في ظله.
موجها الرسالة إلى المسلمين وقادتهم كافة فقال: تعلمون جميعًا ما يتهدد عالمنا الإسلامي من أخطار، وأن ما يمر به عالمنا غير مسبوق على الإطلاق، ولا يعلم إلا الله إلى أي مدى يمكن أن يصل، ولا يمكن لأحد أن يدَّعي أنه في مأمن من مخاطره.
ولذا، فقد آن الأوان لتحقيق وحدة تكاملية بين دولنا؛ وحدة لا تعني وحدة الحاكم، أو وحدة الحدود، أو اختلاط ثروات الأغنياء بما لدى الفقراء، ولكنها وحدة الهدف والمصير، ووحدة القرار في مجابهة التحديات والأخطار، ووحدة التكامل والتبادل البيني بين دولنا.
فكل دولة لديها ما تحتاج إليه دولة أخرى، ولديها فائض تمسُّ حاجة دول أخرى إليه. وبالوحدة التكاملية يتحقق التوازن دون أن تخسر دولة شيئًا؛ فما تعطيه لدولة أخرى تأخذ منها مقابله الذي تحتاج إليه أكثر من حاجتها إلى الفائض الذي تمتلكه.
وتذكروا دائمًا أن هذه الوحدة ليست ترفًا ولا اختيارًا، بل هي تنفيذ للتوجيه الإلهي الملزم:
﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾.
﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾.
فإن فعلتم أبرأتم الذمة، وحققتم مراد الله فيكم، واستعدتم قوتكم ولُحمتكم، ونأى عنكم عدوكم، وإن لم تفعلوا فالعواقب القريبة وخيمة.
ولم يكتف شومان ببيان ما سبق،بل إنه وجه الرسالة إلى الأغنياء مشجعا إياهم لاستثمار أموالهم في بلادهم قائلا: حوِّلوا استثماراتكم إلى داخل دولنا، وتوقفوا عن استثمارها في بلاد تناصبنا العداء علنًا، تُصنَّع بها أسلحةٌ وتبيعها لنا ليقتل بها بعضنا بعضًا، وإن غضبوا عليكم جمَّدوا أموالكم أو صادروها.
مبينا فلسفة الأمر بالاحسان إلى الآخر فقال:
اعلموا أن ديننا أمرنا بالإحسان إليكم والعيش في سلام معكم ما دمتم تقبلونه:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وأمرنا بمسالمتكم وعدم الاعتداء عليكم ما لم تعتدوا علينا:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
ولكن اعلموا أننا، مع كوننا أمة سلام، لا نستجديه من رافضيه:
﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
فالسلام مع المسالم أمر واجب النفاذ، أما رافضه والمصرُّ على الاعتداء علينا، فقد أمرنا ربنا أن نتخذ له من أسباب القوة ما يخوِّفه منا، فلا يعتدي علينا ولا نضطر إلى الرد عليه، فيعم الأمن والسلام بيننا:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
فامتلاك القوة سبيل السلام وحارسه؛ فالدولة القوية لا يفكر أحد في الاعتداء عليها، وإنما تُستهدف الدول الضعيفة.
فيا من تعادون دولنا وتطمعون في ثرواتنا وأرضنا، اعلموا أن القوة لم تحسم قضية عبر تاريخ البشرية، وأنجع منها الحوار والتفاهم. فتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم؛ لنعيش وتعيشوا في أمن وسلام، ولتُوجَّه نفقات الحروب والتدمير إلى البناء والتنمية وتحقيق الاستقرار بين الشعوب.
كما شدد شومان على الاستفادة من منهج الأزهر الوسطي و بين أهميته في الدول متعددة الديانات،وذكر أنه من خير مثال للتعايش السلمي كما قدما نموذجا لبيت العائلة المصرية وجولات الإمام الأكبر إلى الفاتيكان وكنيسة كانتربري وحواراته الشرق والغرب.
حضر الملتقى الدكتور نصار الدين عمر، وزير الشؤون الدينية، الأستاذ الدكتور شهاب الدين قريش،وغيرهم جمع كبير من العلماء والمثقفين.
